بقلم: مالك السعيد
المحامي بالنقض والدستورية والإدارية العليا
المتخصص في القضايا الدولية والعابرة للحدود
مع تزايد سفر المصريين للعمل أو الزيارة أو أداء مناسك الحج والعمرة، تتكرر من حين إلى آخر حوادث السيارات وإصابات العمل وغيرها من الحوادث التي قد يتعرض لها المواطن المصري خارج البلاد.
وعند وقوع الحادث، تنشغل الأسرة بطبيعة الحال بصحة المصاب أو إجراءات المتوفى، بينما قد يغيب عنها جانب شديد الأهمية: كيف نحافظ على الحق القانوني في التعويض؟
والحقيقة أن الحق في التعويض لا يبدأ عند رفع الدعوى أمام المحكمة، وإنما يبدأ منذ اللحظة الأولى لوقوع الحادث، من خلال إثبات الواقعة والحفاظ على المستندات وتحديد المسؤول عنها.
أولًا: من المسؤول عن دفع التعويض؟
لا توجد إجابة واحدة تصلح لجميع الحوادث؛ فمصدر التعويض يختلف بحسب الدولة التي وقع فيها الحادث، وطبيعته، وسبب وقوعه، والتأمين القائم، وصفة الشخص المتسبب فيه.
فقد يكون التعويض مستحقًا من شركة التأمين، أو من المتسبب في الحادث، أو من جهة العمل إذا كانت الواقعة إصابة عمل، أو من شركة نقل أو جهة أخرى متى ثبتت مسؤوليتها، وذلك كله وفقًا لقانون الدولة التي وقع فيها الحادث والعقود والوثائق المنظمة للحالة.
ومن هنا تأتي أهمية عدم الاكتفاء بالمعلومة الشفهية بأن «هناك تأمينًا» أو أن «التعويض سيُصرف تلقائيًا»، وإنما يجب تحديد الأساس القانوني لكل حق.
ثانيًا: ماذا تفعل الأسرة فور وقوع الحادث؟
من أهم الأخطاء التي نراها عمليًا ضياع بعض المستندات أو عدم الحصول عليها منذ البداية.
لذلك يجب قدر الإمكان الاحتفاظ بصورة من محضر الحادث أو بياناته، والتقارير الطبية، وتقارير المستشفى، وشهادات الوفاة عند حدوثها، وبيانات المركبات والأطراف المتسببة، وبيانات وثائق التأمين إن أمكن، وأي مستند يثبت علاقة المصاب بجهة العمل إذا كان الحادث مرتبطًا بالعمل.
كما ينبغي الاحتفاظ بجواز السفر والتأشيرة وتذاكر السفر وأي مستندات مرتبطة بالرحلة متى كانت لها صلة بالواقعة.
ثالثًا: هل صرف مبلغ من التأمين ينهي الحق في المطالبة بتعويض آخر؟
ليس بالضرورة.
فقد توجد في الواقعة الواحدة حقوق ناشئة عن مصادر قانونية مختلفة، لكن إمكانية المطالبة بها أو الجمع بينها تتوقف على قانون الدولة المختصة، وطبيعة وثيقة التأمين، والعقود ذات الصلة، وسبب المسؤولية وظروف كل حالة على حدة.
ولهذا ينبغي عدم توقيع مخالصة أو تنازل نهائي قبل معرفة أثره القانوني، فقد تتضمن بعض المخالصات عبارات تؤثر في حقوق أخرى يمكن المطالبة بها.
رابعًا: ماذا يحدث إذا توفي المصري في الحادث؟
في حالات الوفاة، تزداد المسألة تعقيدًا؛ إذ قد تتداخل إجراءات إثبات الوفاة، وتحديد الورثة، والمستحقات التأمينية، والتعويضات الناشئة عن المسؤولية، فضلًا عن الإجراءات التي تتم في الدولة التي وقع فيها الحادث.
وهنا يجب على الورثة معرفة حقوقهم قبل اتخاذ أي إجراء أو توقيع أي مستند، خصوصًا إذا كانت هناك شركة تأمين أو جهة عمل أو شركة نقل أو طرف مسؤول عن الحادث.
خامسًا: هل تستطيع الأسرة متابعة القضية من مصر؟
وقوع الحادث خارج مصر لا يعني بالضرورة أن الأسرة يجب أن تسافر بالكامل لمتابعة كل إجراء.
ففي كثير من الحالات يمكن تنظيم المتابعة القانونية من مصر بالتنسيق مع محامين أو جهات مختصة في الدولة التي وقع فيها الحادث، بحسب طبيعة الإجراءات والقانون المحلي، مع إعداد التوكيلات والمستندات المطلوبة بالطريق القانوني الصحيح.
والأهم هو أن تتم المتابعة منذ البداية، لأن بعض الحقوق قد ترتبط بمواعيد وإجراءات محددة.
كلمة أخيرة
المصري الذي يتعرض لحادث خارج وطنه لا ينبغي أن تضيع حقوقه بسبب بُعد المسافة أو عدم معرفة أسرته بالقانون المطبق.
فالحق في التعويض لا يبدأ أمام المحكمة، بل يبدأ منذ اللحظة الأولى بحفظ المستندات، وإثبات الواقعة، وتحديد المسؤول عنها، وعدم التوقيع على أي تنازل قبل معرفة آثاره القانونية.
ولهذا فإن التعامل مع الحوادث العابرة للحدود يحتاج إلى فهم قانون الدولة التي وقع فيها الحادث، إلى جانب القدرة على متابعة الإجراءات وربطها بالمستندات والإجراءات اللازمة داخل مصر.
مالك السعيد
المحامي بالنقض والدستورية والإدارية العليا
